
إِن الديْنَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلام
(هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ)
الإسلام دين قديم سبق وجوده وجود النصرانية واليهودية وغيرهما من الأديان السماوية الحقة والأديان المختلقة التي لا أساس لها من الصحة، فلقد كان جميع الأنبياء والرسل من عهد أولهم وإلى عهد خاتمهم مسلمين، وقد أرسلهم الله إلى عباده بدين الإسلام، وفي بيان هذه الحقيقة يقول تعالى في شأن نوح(ع)( فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ)
وفي شأن إبراهيم وإسماعيل(رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ)
وفي شأن قوم موسى(رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ)
وفي شأن سليمان وملكة سبأ(قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ)
وفي شأن خاتم الأنبياء(قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ)
لقد استمر هذا الدين من عهد آدم وإلى عهد روح الله عيسى بن مريم الذي رفعه الله إليه وأنقذه من الموت، وبعدها خلت الساحة من النبوات وبقي الأمر كذلك قرابة ستمئة سنة فكثرت فيها المعتقدات الفاسدة والعادات السيئة وقد استطاع أهل الجور والضلال في تلك الفترة أن يُلغوا من الوجود ذكر الإسلام فعملوا على دفن الحقائق وتحريف الثوابت وزرعوا في عقول الناس فكرة الوثنية مدعين بأنها العبادة الرسمية المعترف بها، وقد نشأ من تلك العبادة الباطلة جور لا مثيل له وعادات لا تنسجم مع الموازين التكوينية للبشر، فارتكبوا أبشع الجرائم ونشروا المعاملات الربوية ووأدوا البنات وأكلوا لحم الميتة وشربوا الخمر ولعبوا القمار واستعبدوا عباد الله وداسوا القيم والمبادئ والكرامات بنعالهم فلم يعد بينهم مكان للعدل ولم يبق محل للرحمة حيث تحول المجتمع العربي إلى غابات تسيطر عليها الأنظمة الحيوانية وقوانين الإفتراس وقاعدة البقاء للأقوى فقط فأحدث ذلك ضجة في النفوس وقلقاً في أوساط الجميع ولكن لا يُسمح لأحد بأن يتكلم أو يدافع عن نفسه أو يعبّر عن ألمه ووجعه ورأيه حيث كان يرى الحكام بأن الدفاع عن النفس عرقلة لمؤامؤاتهم ووقوفاً في وجوههم واعتراضاً لطريقهم وجريمة كبرى يجب أن يعاقَب عليها هذا وذاك حيث لا يحق للضعيف أن يتكلم مهما تألم.
وبينما هم غارقون في هذه الأوضاع الحرجة والمعتقدات الفاسدة والظروف الصعبة، وبينما هم غارقون في الظلم والقتل والسرقة والنهب والإحتكار يظهر من بينهم شخص أرسله الله رحمة لهم في الدنيا والآخرة حيث أراد سبحانه أن يرحمهم برسوله الذي أرسله رحمة للعالمين، وقد أشار الله عز وجل إلى هذا الفضل الكبير للنبي الأمي فقال(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ)
وإلى هذا المعنى تشير سيدة نساء العالمين(ع) فتقول: وكنتم على شَفا حُفرة من النار ، مِذقَةَ الشارِب ونهزَة الطامع ، وقَبْسَةَ العَجْلان ، ومَوْطِئَ الأقدام تشَرْبَونَ الطَرَق ، وتَقتْاتونَ القِدّ والورق أذِلّة خاسئين ، تخافون أن يتخطّفكم النّاسُ مِن حَوْلِكم ، فأنقذكم الله تبارك وتعالى بمحمد (ص) ، بعد اللتيا والّتي ، وبعد أن مُنِي بِبُهْمِ الرجال وذؤبانِ العَرَب ، ومَرَدَةِ أهلِ الكتاب)
وصدع رسول الله بالأمر متحملاً كل المسؤولية وجميع المخاطر التي كانت محدقة به بل تحمل المرارات واجتاز الصعوبات من أجل أن يبلغ الرسالة وينقذ البشرية من بحور الظلم والظلمات فتحمّل السب والشتم والضرب والإتهامات الباطلة حتى نشر الرحمة والعدالة والمساواة بين الجميع، فرسم لهم طريق الفوز والسعادة ووجّههم نحو الإستقامة في السلوك والتفكير بل نحو الإستقامة في كل حركة وسكنة فخاض المعارك وقام بالغزوات وأرسل السريات وسهر الليالي والعيون نيام، وعاش في خطر دائم والناس في أمن وأمان، وأسس كوادر ينطلق بهم في تلك المهمة الصعبة، وعلى رأس أولئك الكوادر وفي مقدمتهم سيد المتقين وإمام المسلمين وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) صاحب المواقف الجريئة والبطولات المدهشة والتي كان أبرزها ما قام به في معركة الأحزاب يوم الخندق ومبيته على فراش رسول الله ليلة الهجرة، وها نحن اليوم نعيش أجواء الهجرة وأيامها ونحتفل بها ويا حبذا لو نحتفل بها قولاً وفعلاً ومظهراً وجوهراًً، فلقد أوحى الله إلى رسوله بأن يهاجر من مكة لأن المشركين اتخذوا قراراً حازماً وحاسماً في حق محمد بن عبد الله حيث اجتمعت على قتله أربعون قبيلة وانتخبوا من كل قبيلة رجلاً شجاعاً يمثّل القبيلة التي ينتمي إليها وليكون له الشرف في التخلص من الشخص الذي أراد لهم الخير والعيش الكريم والعزة والكرامة والذي أراد أن ينشر الرحمة والعدالة والمساواة بين جميع الأفراد، فسهروا على باب داره وأحاطوا به من كل جانب كيلا يفلت هذه المرة من أيديهم فشاءت قدرة الله أن يبقى محمد بن عبد الله ليُكمل به الدين ويُتم به النعمة فخرج من بينهم دون أن يراه أحد وهاجر إلى المدينة المنورة ليتابع مهمته التبليغية هناك وبقي علي في مكة ليرجع الأمانات إلى أصحابها لأن الرسول كان قبل المبعث وبعده موضع ثقة الجميع وأماناتهم فبات علي على فراش رسول الله موطناً نفسه على تحمّل آلام الجراح في سبيل أن يبقى رسول الله سالماً وأن يبقى هذا الدين الحنيف مزدهراً ومنتشراً فهو حياة هذه الأرض ونور هذه الحياة.
وبعد عشرة أعوام من تلك الهجرة المباركة كمل الدين وتمت سور القرآن الكريم الذي هو الدستور الأعظم والمعجزة الكبرى واختار الله لرسوله دار أنبيائه ومأوى أصفيائه فخيّره بين البقاء في الدنيا أو الرحيل عنها فاختار لقاء ربه وبذلك خلت الساحة أمام الطامعين الذين راحوا يقسمون التركة والرسول لمّا يُدفن بعد، فاغتصبوا الحق الشرعي وكانوا مصدر الفتنة في تاريخ الإسلام حيث زرعوا في نفوس الناس الكراهية والبغضاء والعداء للنهج القويم الذي كان وما زال متمثلاً بالنبي وآله(ص).
وما قام به يزيد بن معاوية على أرض الطف بحق آل رسول الله ما هو إلا ثمرة من نتائج الإجتماع المشؤوم الذي تم في سقيفة بني ساعدة.
هؤلاء لم يستطيعوا أن يقتلوا رسول الله ولكنهم أفرغوا كل حقدهم في أهل بيته فقتلوا علياً وهو قائم بين يدي ربه يتهجد ويتضرع ويخشع، واغتصبوا حق الزهراء وواقتحموا دارها وكسروا ضلعها وأسقطوا جنينها فقتلوها مظلومة مقهورة، ووضعوا السم في طعام الحسن على يد زوجته جعدة بنت الأشعث، وارتكبوا تلك الجريمة النكراء في حق الإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه على أرض كربلاء، فلقد كان لهم من وراء قتله أهداف لم تتحق بعون الله حيث انقلب السحر على الساحر، وقد استطاع(ع) بثورته أن يُفشِل كل مخططاتهم ويوقف جميع مؤامراتهم ويكشف النقاب عن جميع الأمور ويضع النقاط على الحروف، ويزيل تلك الأقنعة المزيفة عن وجوه الذين استثمروا الإسلام من أجل مصالحهم الخاصة وغاياتهم النفعية الحاقدة، ففاجأهم(ع) بثورته المباركة التي تُوّجت بالحق ورُصّعت بالشجاعة وتوسمت بالنزاهة والإيثار والبذل في سبيل الدين والأمة.
وكان للحسين أهداف سامية حققها بأكملها رغم استشهاده لأن استشهاده كان من أبرز العوامل المساعدة على تحقيق تلك الأهداف.
الشيخ علي فقيه



